الشيخ محمد رشيد رضا

189

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

( الوجه الثامن ) ان ما نقل من ترتيب نزول الوحي بعد ذلك موافقا لما جريات الوقائع والحوادث يؤيد ذلك ، فقد نزل ما بعد صدر سورة المدثر عقب قول الوليد بن المغيرة المخزومي الذي قاله في القرآن - فقد أراده أبو جهل أن يقول فيه قولا يبلغ قومه انه منكر له وانه كاره له ، بعد ان علم أنه تحرى استماعه من محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وأعجب به . قال له الوليد وما ذا أقول ؟ فو اللّه ما فيكم رجل أعلم بالشعر لا برجزه ولا بقصيده مني ولا بأشعار الجن ، واللّه ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا ، وو اللّه إن لقوله لحلاوة ، وان عليه لطلاوة ، وانه لمنير أعلاه ، مشرق أسفله « 1 » وانه ليعلو وما يعلى ، وانه ليحطم ما تحته . قال أبو جهل لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه . فقال دعني حتى أفكر ، فلما فكر قال : هذا سحر يؤثر يأثره عن غيره ، فنزلت الآيات ( 74 : 11 ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً ) الخ رواه الحاكم عن ابن عباس باسناد صحيح على شرط البخاري ( الوجه التاسع ) ان هذه المعلومات المحمدية التي تصورها هؤلاء المحللون لمسألة الوحي قليلة المواد ، ضيقة النطاق عن أن تكون مصدرا لوحي القرآن وان القرآن لأعلى وأوسع وأكمل من كل ما كان يعرفه مثل بحيرا ونسطور وكل نصارى الشام ونصارى الأرض ويهودها ، دع الاعراب الذين كان يمر بهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالطريق إلى الشام وان القرآن نزل مصدقا لكتب أهل الكتاب من حيث كونها في الأصل من وحي اللّه إلى موسى وعيسى وداود وسليمان وغيرهم - ونزل أيضا مهيمنا عليها أي رقيبا وحاكما كما نصت عليه الآية ( 48 ) من سورة المائدة ( 6 ) ومما حكم به على أهلها من اليهود والنصارى انهم أوتوا نصيبا من الكتاب ( 5 : 44 و 51 ) ونسوا نصيبا أو حظا آخر منه وانهم حرفوا وغيروا وبدلوا ( 6 : 12 و 13 ) وبين كثيرا من المسائل الكبرى مما خالفوا واختلفوا فيه من العقائد والاحكام والاخبار ، ومثل هذه الأحكام العليا عليهم لا يمكن أن تكون مستمدة من أفراد من الرهبان أو غير الرهبان ، أفاضوها على محمد في رحلته التجارية إلى الشام ، سواء أكان عند

--> ( 1 ) وفي رواية : وان أعلاه لمثمر ، وان أسفله لمغدق .